أيادالنصيري-2017
****************************************************
لا يمكن تقديم قراءة نقدية شافية لهذه القصة من دون التوقّف عند شخصية ( وردة) التي هي من النماذج التي تريد تشخيص مسألة الولادة وكيف صارت --ولماذا لاتكون ل(حرير) طفل او طفله مثلها من خلال سلوكها المتصدّع ، ووعيها المأزوم ، واللذين يأتيانها في صورة نوبات . وهنا تحيلنا الكاتبة إلى محاكمة الاشتراطات التي نضعها للحكم على فعل ما بأنه سوي أو لاسوي . فقد كانت(وردة )تلك الطفلة البريئة تحمل في رأسها كلمات أمها عن كيف ولدنا وجئنا الى هذه الدنيا-- ومن هو بائع ألأمل؟ اسئلة في روحها وحصلت على إجابة مقتضبة--
عنوان القصة موافق لشروط العنونة في القصة القصيرة (للعقم أنواع) فعلا هناك انواع للعقم عقم الذاكرة-عقم العقل--عقم الاحاسيس ووو--ولابد للبحث والاستقصاء عن ماذا تريد الكاتبة تتحدث عن اي عقم ومن خلال الولوج والاستقصاء لمتن القصة حيث تتحدث عن عقم المطــلق
يعني العقم المطلق عدم إمكانية حدوث حمل مطلقاً لأسباب غير قابلة للعلاج -- وهو عنوان يملك شحنة دلالية متعددة الإيحاءات، ما يجعله يستفز القارئ -ويشده.
المتن ابتدأت الكاتبة نصها بجملة اسمية، هي من جهة تؤثث لفضاء النص مكانيا، فالمكان أزقة بغداد القديمة (( فروعٌ متداخلةٌ، وكأنها خريطة اللقاء الجبري لأولئك المترابطين روحياً. طفلان مميزان عن أقرانهما المنتمين الى مجموعة الشغب البريء، (وردة، وربيع).-- امتلكت البداية قدرة على تنبيه القارئ مثلما ينبه طرق الباب من في الداخل، ويثير في نفسه الترقب والفضول
غير أن الكاتبة لم ترض فضولنا، بل زادته وتركت لنا مسافة في نقاط الإضمار وقبل ان تكمل حكايتها تابعت تأثيث النص، واخترقته بشخصية النص تلك الطفلة(-وردة)التي لها نصيب في حب اهلها لها والتي لها افكار مثل بقية اقرانها الاطفال للتساؤل والاستطلاع عن الحياة والكون في حياتها الصغيرة بما تحمله هذه الصورة من سكون ووحدة وانتظار.
تبدأ الحكاية من الجملة التالية:لنقف أمام عقدة النص، ويستمر جريان الحكاية بعد ذلك بجمل فعلية سريعة الإيقاع، تفصل بينها نقاط الإضمار. فلهفة شخصية النص وراويته لاتحتمل الانتظار، وتريد أن تصل النهاية بأقصى سرعة، وتترك القارئ يملأ تلك المسافات.إن الكاتبة(العميد ) استطاعت أن تناول موضوعها على أساس موقف آمنت به، وحاولت تمريره، مستعملة تقنية تفجير طاقات الموقف الواحد بالتركيز على بواطن الشخصية.وهي (وردة) رغم ان لها رفيق هو (ربيع) الذي كان يلازمها في اكثر الأوقات ويحرص عليها من عدة جوانب-الا اننا لم نعرف لماذا تركها ولم يكن له اي دور يذكر
فالذي يلج عالم هذه القصة، يتاح له أن ينظر من مختلف الزوايا فهو نص مفتوح؛ بعيد عن التعتيم والإبهام. .
تتراكم الأسئلة،-- ويتكاثف ضباب الغموض، (( قررت أنْ تكون أذكى، حين سألت أمُها عن مصدر قدومها للحياة. التي ابتسمت لها، وقررت أن تُنهي الإحراج الى أجلٍ مُسمى، فأخبرتها بأن الأطفال يُشرَون من بائع الأمل. لتكتفي بهذهِ الإجابة، ولتسري السكينة في نفسها، ويتلاشى الفضول)) وتزداد اللهفة للنهاية، كما لهفة شخصية النص المنتظرة منذ زمن ورغم تفكيرها والاسراع بما تريد ان تقدم شيء يسر الخالة ( حرير) تلك المرأة العقيمةمن الانجاب-التي لم تبالي ببادىء الأمر عن سر قدوم وردة وتقطع تلك المسافة من بيتها الى فرن الكعك المحمص الذي تديره وهي حاملة بضعة دنانير لاتساوي ثمن الكعك المحمص--ولكنها في النهاية التي لانعرف ماذا حل (بحرير) عندما نطقت (وردة )بتلعثم جملتها المحيرة
لكن، وعلى غير المنتظر، جاءتنا الكاتبة (هند) بنهاية غريبة، مفارقة لكل انتظاراتنا، بهذه القفلة المفتوحة
يا خالة! أنا لا أريد الكعك.. أنا جمعتُ لكِ المال، لتشتري طفلاً من بائع الأمل))
القصة يجب أن تعتمد على حدث، وفي هذا النوع من القص يفضل أن يكون حدثاً واحداً، وشخصية مركزية واحدة، فالنص لا يحتمل، وهما شرطان لا غنى عنهما فيها. والحدث يوحي ولا يصرح، ويكون مكثفاً وعميقاً، ويترك للقارئ أن يستكمل الفجوات، ولا بد للحدث أن يتصف بالسمات الدرامية التي تهبه التوتر والحركة والفعل، وتمنح النص (ذائقة جميلة)والتي تجذب القارئ، وتقدم له المتعة المطلوبة. وعلى الرغم من أن(القاصة هند العميد) لم تكثف اللغة في هذه القصة، وأسرفت باستخدام الكلمات، إلا أن فكرتها عميقة. فالقصة القصيرة تتناول مادتها من قلب المجتمع، حيث تكشف عيوبه وتنقدها، بطريقة بارعة كمبضع جراح، فهي ليست مجرد قصة قصيرة عابرةدون معنى، بل لها هدف له قيمته
ونجحت الكاتبة في استخدام كلمات قليلة في إيصال الرسالة التي تريدها000
***النص***
قصة قصيرة بعنوان((للعقم أنواع))
شوارعُ بغدادية قديمة. فروعٌ متداخلةٌ، وكأنها خريطة اللقاء الجبري لأولئك المترابطين روحياً. طفلان مميزان عن أقرانهما المنتمين الى مجموعة الشغب البريء، (وردة، وربيع).
طفلان متجاورا السكن، متباينا الحال المادي. كانت وردة أوفر حظاً لاستجابة أهلها لكل شاردة وواردة من أمنياتها وطلباتها.
ولا نبرّئ الطفولة - أحياناً - من خبثٍ أبيض. فحين تقرّب إليها (ربيع) كان يسعى إلى أن يصيبهُ شيء من مخلفات ملل الصديقة.
في آخر الزقاق بيتٌ قديمٌ ذو شرفة خارجية تَحتلُها أزهارٌ ربيعية مغرورة الحضور، زاهيةٌ بألوانِها، يمتزجُ عبقها برائحة الكعك المحمّص الهاربة من نوافذ مخبز صغير يتوسط البيت، كان قبلة لأطفال المنطقة.
بضعة دنانير كانت كفيلة بأن تجعل من (ربيع) حارساً شخصياً لصديقته. وهو يُبعد عنها كل من حاول أن يقترب، مشاغباً او محباً.
كان الفضول وغزارة الأسئلة، الهاجس المرافق لها، حين تفرضُ وجوب الإجابة عليها من الخالة (حرير) بعد أنْ تأخذَ نصيبها المميز من الكعك المحمّص نظيراً لحفنة دنانيرها الوفيرة.
لم يهدأ لها بال، ولم تقتنع بأعذار الكبار وتأجيلهم إجابتها إلى أن تكبُر. أصبح شُغلها الشاغل أنْ تعرف معنى (عقيمة)، ولما الخالة صاحبة المخبز لم تلد؛ لكنها لم تحصل إلا على ضحكات مُحرجة وتهرّب - يظنه والداها ذكياً - من إلحاحها البريء.
وفي يوم ما.. قررت أنْ تكون أذكى، حين سألت أمُها عن مصدر قدومها للحياة. التي ابتسمت لها، وقررت أن تُنهي الإحراج الى أجلٍ مُسمى، فأخبرتها بأن الأطفال يُشرَون من بائع الأمل. لتكتفي بهذهِ الإجابة، ولتسري السكينة في نفسها، ويتلاشى الفضول.
تغيّر الحال، ودارت الأيام ليحلّق الحظ مبتعداً عن أهل (وردة) ويحط رحاله ببيت (ربيع). لكن الجوع الذي تربّى عليه جعلهُ يأبى أن يرد الدين لصديقته الكريمة. وراح يشتري الكعك لنفسه فقط. فهو ليس بحاجةٍ لرفيق أو حارسٍ شخصي.
اتخذت من أسفل فراشها مكاناً سرياً، تجمعُ فيه دنانيرها المعدودة التي حرصَ أبوها أن لا يصيبها نصيبٌ من القحط ولو قليلاً.
بعد مُدة ليست بالقليلة، وفي صباح أشرقت فيه الشمس بجرأةٍ ملحوظة، نهضت وردة مُسرعةً مُتجاهلةً نداء أمها لغسل وجهها قبل أن تخرج للشارع، وفي كفيها الصغيرتين كومةَ الدنانير.
كان بيت الخالة - بنظرها - كبعد واحة الماء عن تائهٍ ببيداء. وصلت إليه وهي تلتقطُ أنفاساً بغير انتظام، ومن دون أن تطلب شيئاً رفعت يديها الى وجه صاحبة المخبز، التي نظرتْ إليها بتهكّم، وهي ترى عدداً قليلاً من الدنانير لم تتعودهُ منها؛ ولأن الناس يتناقلون الخبر السيئ كإعلان هام، لم تسألها السبب، وضربت يدها رافضةً إعطاءها بعضاً من كعكها الثمين، وهي تُتمتم: عودي إلى بيت أهلك، وليبحثوا عن مخبزٍ رخيص يلائمهم.
امتلأت عيناها العسليتان بالدمع من ألم الضربة، واختنقت عبراتها خلف ثغرها الصغير. وبعد جهدٍ أخرجتْ كلمات مُرادها وهي تقول: يا خالة! أنا لا أريد الكعك.. أنا جمعتُ لكِ المال، لتشتري طفلاً من بائع الأمل.
هند العميد / العراق / 15/6/2017



0 التعليقات:
إرسال تعليق